
— افتحيه.
طلعت ورقة واحدة. كان مكتوب فيها:
“لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى يوسف وصل لك، ومحمود ماقدرش يمنعك من معرفة الحقيقة.”
تحتها سطر:
“بس قبل ما تعرفي الحقيقة عن أبوكي، لازم تعرفي الحقيقة عن اللي حصل ليوسف يوم اختفائه.”
رفعت عيني. ليو كان واقف جنب سامح.
— إنت فاكر اليوم ده؟
ليو هز راسه:
— شوية.
— كنت كام سنة؟
— تلات سنين.
قربت منه:
— فاكر إيه؟
غمض عينيه كأنه بيحاول يفتكر:
— كنت في عربية.
— مع مين؟
— ماما.
— وبعدين؟
سكت.
— كان فيه راجل تاني.
— مين؟
ليو فتح عينه وبصلي:
— كان بيقول لماما إن مريم لازم ما تعرفش.
قلبي اتقبض:
— قال اسمي؟
هز راسه:
— أيوه.
جوزي بص لسامح:
— يعني كان يعرف مريم قبل ما يوسف ييجي بيتنا.
سامح ما ردش. أنا رجعت للرسالة. آخر سطر كان:
“لو أردتِ معرفة من أخذ يوسف، انظري خلف الصورة.”
رفعت الصورة. كانت صورة قديمة لطفل صغير. يوسف. لكن وراه كان فيه رجل واقف بعيد. وشه مش واضح. قلبت الصورة. لقيت تاريخ. نفس يوم الحادث. وتحت التاريخ مكتوب:
“الرجل الذي في الخلف ليس غريبًا عنك.”
قربت الصورة من النور. فجأة لاحظت تفصيلة في إيده. خاتم. خاتم أعرفه. خاتم كان والدي بيلبسه طول عمره.
شهقت:
— ده خاتم أبويا.
جوزي أخد الصورة:
— متأكدة؟
— مستحيل أنساه.
سامح قال بصوت منخفض:
— يبقى التسجيل كان صحيح.
بصيت له:
— يعني أبويا كان هناك؟
— أيوه.
— وكان عارف يوسف؟
سكت. صرخت:
— جاوبني!
سامح قال:
— كان يعرفه.
— وكان يعرف أمه؟
— أيوه.
— وخطفه؟
سامح هز راسه بسرعة:
— لأ.
قبل ما أسأله، صوت أقدام سمعناه فوق. الشرطي رفع إيده:
— حد تاني دخل البيت.
جوزي قال:
— الشرطة كلها بره؟
الشرطي بص لزميله:
— أيوه.
سامح وشه اتغير:
— يبقى فيه حد دخل من الباب الخلفي.
ليو قرب مني:
— هو.
— مين؟
ليو بص ناحية باب القبو:
— الراجل اللي كان بييجي عندي.
فجأة سمعنا صوت مفتاح بيدور في الباب الحديدي. مرة. مرتين. وبعدين الباب بدأ يتحرك.
الشرطي سحب سلاحه. وجوزي وقف قدامي. أما ليو… فمسك إيدي وقال:
— ماما، متخليش الراجل ده ياخد الصورة.
الباب اتفتح شوية. وظهر نصف وجه رجل في الظلام. أول ما شفته، عرفت ملامحه. لأنها كانت موجودة في صورة قديمة عندنا في بيت أبويا. راجل كان واقف جنب والدي يوم تخرجي. راجل كنت فاكرة إنه صديق قديم للعيلة.
لكن ليو همس:
— ده هو.
والرجل ابتسم وقال:
— أخيرًا وصلتِ للصورة يا مريم.
فضل الرجل واقف عند باب القبو، إيده على المقبض، وابتسامته ثابتة بشكل خلاني أحس إن اللي قدامي مش داخل علينا لأول مرة. ده كان داخل وهو عارف بالضبط إحنا وصلنا لإيه.
الشرطي وجه سلاحه ناحيته وقال:
— ارفع إيدك وابعد عن الباب!
الرجل رفع إيديه ببطء:
— حاضر.
لكن عينه كانت على الصورة اللي في إيدي. جوزي وقف قدامي وقال:
— إنت مين؟
الرجل ما بصش له. فضل مركز معايا:
— مريم، أنا مستني اليوم ده من سبع سنين.
اتجمدت:
— سبع سنين؟
ابتسم ابتسامة صغيرة:
— من يوم موت والدك.
قلبي دق بعنف:
— إنت كنت تعرف أبويا؟
— أكتر مما تتخيلي.
سامح فجأة قرب منه:
— كفاية يا فؤاد.
الرجل بص له لأول مرة:
— لسه فاكر اسمي؟
سامح رد:
— مستحيل أنساه.
الشرطي بص لسامح:
— إنت تعرفه؟
سامح ما ردش. فؤاد ضحك:
— سامح كان موجود يوم الحادث.
لفيت ناحية سامح:
— إيه؟
سامح نزل عينه:
— كنت هناك.
— يوم حادث أبويا؟
— أيوه.
— ويوم اختفاء يوسف؟
سكت. فؤاد قال:
— الاتنين كانوا في نفس اليوم.
حسيت إن الأرض اتحركت تحتي:
— إنت بتقول إيه؟
فؤاد بص للصورة:
— والدك ما ماتش في الحادث يا مريم.
شهقت:
— لأ!
— العربية اتولعت، والجسم اللي اتدفن مكانه كان لشخص تاني.
الشرطي قاطعه:
— عندك دليل؟
فؤاد مد إيده ببطء داخل جاكته. الشرطي صرخ:
— ما تتحركش!
فؤاد وقف مكانه:
— هطلع حاجة واحدة.
طلع ظرف صغير. وحطه على الأرض:
— ده كان مع محمود الشامي بعد الحادث.
الشرطي قرب وخده. فتح الظرف. طلع منه تقرير طبي قديم. ناولني الورقة. وأول ما قرأت الاسم، إيدي بدأت ترتعش.
المريض: محمود الشامي.
وتحت الاسم: الحالة على قيد الحياة.
رفعت عيني لفؤاد:
— ليه كدبتوا عليا؟
قال بهدوء:
— لأن أبوكي طلب كده.
— طلب إنكم تقولولي إنه مات؟
— أيوه.
— ليه؟
فؤاد بص ليوسف:
— علشان يحميك ويحميه.
أنا بصيت ليوسف. الولد كان واقف ساكت، لكن وشه بدأ يتغير. كأنه سمع الكلام ده قبل كده. قربت منه:
— يوسف، إنت كنت عارف حاجة؟
هز راسه:
— مش كلها.
— قولّي اللي تعرفه.
بص لفؤاد. وبعدين قال:
— بابا محمود كان بيقول لي إن ماما مريم لازم تفضل بعيدة.
اتجمدت:
— بابا محمود؟
يوسف هز راسه:
— أيوه.
— إنت كنت بتناديه بابا؟
— لما كنت بخاف.
سكت لحظة. وبعدين قال:
— بس ماما كانت بتقول إنه مش بابا.
قلبت ناحية فؤاد:
— مين ماما؟
قال:
— أم يوسف.
— هي فين؟
وشه اتغير:
— هنا.
سكتنا كلنا:
— هنا إزاي؟
فؤاد أشار للملف القديم:
— آخر ورقة في الملف.




