
فتحت الملف بسرعة. كانت فيه صورة لامرأة شابة. عرفتها فورًا. مش لأنها كانت أم يوسف. لكن لأنها كانت واقفة جنب أبويا في صورة قديمة جدًا. نفس الصورة اللي كنت محتفظة بيها في درج أوضة أبويا. الصورة اللي طول عمري افتكرتها مجرد صورة عائلية عادية.
على ظهرها كان مكتوب:
“مريم لا تعرف أنها تربّت على كذبة.”
صوت جوزي خرج بهدوء:
— مريم، بصّي للورقة اللي تحت الصورة.
رفعتها. وكان فيها عنوان. عنوان بيت. بيتنا إحنا. وتحته تاريخ: قبل ولادتي بسنتين.
وفجأة يوسف شد إيدي بقوة:
— ماما.
بصيت له. وشه كان مرعوب:
— إيه؟
قال:
— المكان ده أنا فاكره.
— إنت جيت هنا قبل كده؟
هز راسه:
— أيوه.
— إمتى؟
قال وهو بيبص للسلم المؤدي للدور الأرضي:
— أول مرة شفت بابا محمود فيها كنت واقف فوق، في أوضة كنتِ بتقولي إنها أوضة مقفولة من زمان.
جسمي كله اتجمد. لأن الأوضة دي… كانت أوضة أبويا. والباب بتاعها كان مقفول من يوم وفاته.
وفجأة… سمعنا صوت مفتاح بيتحط في قفل الأوضة فوق. فؤاد بص للشرطي وقال:
— لو عايزين تعرفوا الحقيقة كاملة لازم تطلعوا دلوقتي.
— ليه؟
فؤاد رد:
— لأن اللي جوه الأوضة دي هو آخر دليل يثبت إن محمود الشامي كان عايش لحد وقت قريب.
وبعدها سمعنا صوت رجل من فوق السلم:
— فؤاد، متدخلش مريم في اللي حصل.
اتسعت عيني. الصوت… كان صوت أبويا.
محدش اتحرك. الصوت اللي جه من فوق السلم كان واضح لدرجة إني حسيت إن السنين كلها رجعت في ثانية واحدة. نفس نبرة أبويا. نفس طريقته وهو بينطق اسمي. حتى الوقفة الصغيرة بين كل كلمة والتانية… مستحيل أنساها.
صرخت:
— بابا؟
جوزي مسك دراعي بسرعة:
— مريم، استني.
لكن أنا كنت خلاص طلعت أول درجة. الشرطي سبقني وطلع السلم، وراه زميله، وجوزي ماسك إيدي، وفؤاد وسامح وراهم. يوسف فضل تحت لحظة، وبعدها جري ورانا.
وصلنا قدام أوضة أبويا. الباب كان مفتوح. والأوضة كانت ضلمة. الشرطي شغل الكشاف. مفيش حد. ولا حركة. بس كان فيه كرسي قدام الشباك. وفوق الكرسي… جاكت أبويا. نفس الجاكت اللي اتدفن وهو لابسه حسب كلام العيلة.
وقفت مكاني. مستحيل. قربت من الكرسي. لمست الجاكت. كان قديم، بس ريحته… ريحة أبويا.
جوزي قال:
— مريم، متلمسيش حاجة.
لكن عيني وقعت على المكتب. كان عليه جهاز تسجيل صغير. وبجانبه ورقة. مكتوب عليها:
“لو سمعتِ صوتي، ما تصدقيش إن ده معناه إني قدامك.”
رجعت خطوة. فؤاد قال:
— محمود كان عارف إنك هتوصلي هنا.
— يعني كان متوقع إني ألاقي التسجيل؟
— أيوه.
شغلت الجهاز. الصوت خرج من السماعة. نفس الصوت. لكن المرة دي كان أهدى:
— مريم، لو سمعتي الرسالة دي، يبقى فؤاد وصل لك قبلي.
قلبي دق. الصوت كمل:
— وأنا عارف إن أول سؤال هتسأليه: ليه سبتك تفتكري إني ميت؟
بصيت لفؤاد. هو ما قالش حاجة. الصوت تابع:
— لأن موتي كان الطريقة الوحيدة اللي أقدر أحمي بيها حياتك.
دموعي نزلت:
— من مين يا بابا؟
كأن السؤال خرج مني رغم إن التسجيل ماكانش مباشر. وفجأة الجهاز رد:
— من الشخص اللي كنتِ فاكرة طول عمرك إنه أقرب واحد لينا.
اتلفت حواليا:
— مين؟
أبويا قال:
— الشخص ده هو اللي دبّر الحادث.
سامح شهق. وفؤاد غمض عينه. الصوت تابع:
— وهو نفسه الشخص اللي حاول ياخد يوسف.
يوسف قرب مني:
— ماما.
ضمّيته. الصوت كمل:
— لكن يوسف ماكانش الهدف الوحيد.
اتجمدت:
— كان فيه هدف تاني.
سكت التسجيل ثواني. وبعدين قال:
— إنتِ.
شهقت. جوزي شدني ناحيته:
— ليه مريم؟
التسجيل كأنه سمعه:
— لأن مريم كانت الوريثة الوحيدة للحقيقة.
بصيت للملف:
— وراثة إيه؟
الصوت قال:
— الأرض اللي تحت البيت.
سكتنا. فؤاد قال:
— أخيرًا وصلنا للنقطة دي.
بصيت له:
— أرض إيه؟
أشار للأرضية:
— البيت ده مبني فوق مخزن قديم.
— مخزن؟
— مخزن مستندات.
الشرطي قال:
— مستندات إيه؟
فؤاد رد:
— عقود وشهادات وتحويلات ملكية، حاجات كانت ممكن تغيّر ملكية أراضي وعقارات بملايين.
بصيت لجوزي:
— وأبويا كان مسؤول عنها؟
فؤاد هز راسه:
— أبوكي كان الشخص الوحيد اللي احتفظ بنسخة أصلية من كل حاجة.
سكت لحظة. وبعدين قال:
— ونسخة واحدة اتدفنت معاه.
قلت بسرعة:
— بس إنت قلت إنه ما ماتش.
— أيوه.
— يبقى فين النسخة؟
فؤاد بص للأرض:
— معاه.
جوزي قال:
— ومحمود فين دلوقتي؟
فؤاد ما ردش. في اللحظة دي… يوسف شد إيدي:
— ماما، بصّي.
كان واقف جنب المكتب. وأشار لدرج صغير مفتوح. جواه ظرف أسود. طلعته. وعليه جملة واحدة:
“إلى مريم فقط.”
فتحت الظرف. كان جواه مفتاح. لكن مش مفتاح باب. مفتاح خزانة صغيرة. وتحته ورقة:
“لو عايزة تعرفي مين قتل هويتك القديمة، روحي للمحطة رقم 3، وخدي الخزانة 117.”
جوزي قرأ الورقة:
— المحطة رقم 3؟
فؤاد وشه شحب:
— دي مش محطة قطار.
بصيت له:
— أمال إيه؟
قال:
— دي المكان اللي محمود اختفى فيه آخر مرة.
وفي نفس اللحظة… وصلت رسالة على موبايلي من رقم مجهول. فتحتها. كان فيها صورة. صورة حديثة جدًا. لرجل واقف قدام محطة مهجورة. الرجل كان ضهره للكاميرا. لكن الجاكت… كان نفس جاكت أبويا.
وتحت الصورة جملة واحدة:
“لو عايزة أبوكي يرجع، متجيبيش الشرطة.”
رفعت عيني ببطء. ولأول مرة… حسيت إن محمود الشامي مش مجرد سر من الماضي. كان لسه عايش في الحاضر. وكان حد بيراقبنا لحظة بلحظة.
بصيت للرسالة تاني. وبعدين بصيت لفؤاد:
— المحطة دي فين؟
فؤاد فضل ساكت. الشرطي قرب منه:
— إنت عارف المكان؟
— أيوه.
— فين؟
فؤاد قال اسم المحطة. وأول ما سمعته، حسيت ببرودة في جسمي. دي نفس المحطة اللي أبويا كان بياخدني ليها وأنا صغيرة. كان دايمًا يقول لي: “المكان ده ملوش لازمة ليكي.” وقتها كنت فاكرة إنه بيكره الزحمة. دلوقتي فهمت إنه كان بيخبي حاجة.
جوزي قال:
— وإحنا رايحين هناك، إيه اللي يمنع إن الرسالة دي تكون فخ؟
فؤاد رد:
— مفيش.
— يبقى مش هنروح.
أنا بصيت له:
— أنا هروح.
جوزي اتعصب:
— مريم، الراجل قال متجيبيش الشرطة!
— وأنا مش هروح لوحدي.
الشرطي قال:
— ولا إنتِ ولا إحنا هنروح من غير خطة.
فؤاد فجأة مد إيده:
— هاتِ المفتاح.
قربت منه:
— ليه؟
— لأن الخزانة 117 مش بتتفتح بالمفتاح ده لوحده.
— أمال بإيه؟
— ببصمة.
— بصمة مين؟
فؤاد بص ليوسف. سكتنا. يوسف رجع خطوة:
— أنا؟
فؤاد هز راسه:
— أمك كانت عارفة إنهم ممكن يوصلوا للخزانة.
أنا قلت:
— وهي حطت بصمة يوسف؟
— لأ.
سكت.
— حطت بصمتك إنتِ.
قلبي وقف لحظة:
— بصمتي؟
— أيوه.
طلعت الورقة القديمة من الملف. كان فيها رسم لعلامة صغيرة. نفس العلامة اللي كانت محفورة على المفتاح. وتحتها:
“الخزانة لا تُفتح إلا بمفتاح محمود وبصمة مريم.”
جوزي بص لي:
— يعني أبوكي كان مخطط لكل ده من زمان.
— بس ليه؟
قبل ما حد يرد، يوسف قال:
— علشان كان عارف إن ماما هتدور عليا.
بصيت له:
— إنت عرفت الكلام ده منين؟
يوسف قرب مني:
— ماما كانت بتقولي إن فيه ست اسمها مريم هتيجي يومًا ما وتاخدني.
دموعي نزلت:
— كانت عارفة اسمي؟
— أيوه.
— من إمتى؟
يوسف سكت. وبعدين قال:




