عام

حكايه دياب وفاتن

“يلا يا عريس… الدخلة بلدي. عايزين نفرح بيك الليلة.” دياب اتنفض، بص لجده وعينه مبرقة من  صوته طلع “دخلة إيه يا جدي؟! انت قولت كتب كتاب وبس. اتفقنا على كده!” الحاج هلالي ضحك بسخرية، ضحكة ناشفة مفيهاش رحمة: “هو أنا هخلي أهل البلد ياكلوا وشنا؟ يقولوا ابن الهلالي كتب كتابه وساب مراته ؟ عيب يا ولدي. اطلع ل عروستك فوق، هي مستنياك. وأنا هنا مع الرجالة مستني البشارة….”

دياب حس الدنيا بتضيق عليه. اتدبس… خلاص ومفيش مفر. الكلمة لو خرجت من بيت الهلايلة ما ترجعش. بلع غصته وطلع السلم رِجل ورا ورِجل قدام، كأنه طالع

 كانت هادية، ولمبة صفرا مديّة نور ضعيف. فاتن قاعدة على طرف ، متوترة وبتفرك في إيديها. لما شافته دخل، قلبها كان هيقف.

الليلة دي تمم جوازه منها… الليلة عدت بينهم تقيلة وباردة، كأنها واجب تقيل لازم يخلصه وخلاص. لا فيها حب ولا فيها مشاعر. بعدها اتجنبها، أسبوعين كاملين ما قربش منها، ما كلمهاش إلا للضرورة. كل يوم  كان بيحسبه فاضل قد إيه على الطيارة… على

يوم السفر… مطار القاهرة

العيلة كلها جات تودعه. زحمة وأحضان وتوصيات.

دياب خلاص بيخلص إجراءات السفر، شنطته اتوزنت، وجواز سفره في إيده. خد نفس عميق… أخيراً هيتنفس، أخيراً ب من كل ده.

قبل ما يخطي خطوة واحدة ناحية صالة السفر، حس بإيد حديد مسكته من دراعه. لف… كان جده الحاج هلالي، وعينه فيها نفس النظرة بتاعة يوم كتب الكتاب.

الحاج هلالي بص له وقال بصوت واطي بس

“استنى يا دياب… مراتك جاية معاك.”

دياب حس كأن حد دلق عليه مية ساقعة في عز الشتا. فَكه اتفتح من الدهشة:

“إيه؟! جاية معايا فين يا جدي؟ أنا رايح أدرس… أربع سنين مذاكرة وبهدلة في المستشفيات، مش رايح !”

الحاج هلالي شد على دراعه أكتر، وصوته بقى فيه صرامة الدنيا:

“تدرس براحتك يا دكتور. ومراتك هتكون معاك تراعيك وتخدمك وتغسل لك هدومك. بدل ما عينك تزوغ على حريم الأجانب هناك وتجيب لنا العار. أنا خليت المحامي بتاعي جهز لها كل ورق السفر، وحجزت لها كرسي جنبك في نفس الطيارة. مفيش نقاش.”

دياب بص وراه… شاف فاتن واقفة بعيد، شنطة صغيرة في إيدها، وعينها فيها ألف سؤال وألف خوف. والطيارة… الطيارة اللي كانت  بقى فيها القيد اللي كان  منه.. ياترى ايه اللي هيحصل لما فات

طول الرحلة في الطيارة، دياب كان قاعد جنبها كأنه قاعد جنب حتة جمرة بتكويه. بيبص من الشباك وكاتم غيظه، حاسس إن جده كسر كبريائه قدام نفسه، وربطه بسلسلة من حديد عشان يضمن إنه مش هيفلت من إيديهم.

أما فاتن، فكانت في عالم تاني. أول مرة تركب طيارة، أول مرة تخرج من حدود قريتها أصلاً. الطيارة لما بدأت تتحرك وتسرع على الممر، قلبها كان هيقف. ومن غير ما تحس، مسكت في دراع دياب بكل قوتها، ضوافرها غرزت في الجاكيت بتاعه، وغمضت عينيها وهي بتقرا كل الآيات اللي حافظاها.

دياب بصلها بقرف، وشد دراعه منها بعنف وهمس بحدة من بين سنانه:

“إياكي تعملي فضايح هنا! لمي نفسك وإكتمي، إحنا مش في الغيط.”

فاتن انكمشت في الكرسي كأنها بتختفي، عينيها اتملت دموع بس كابرت عشان ما تنزلش. سحبت إيديها وحطتها على حجرها وفضلت باصة في الأرض طول الساعات اللي باقية من الرحلة، كأنها شبح ملوش صوت.

وصلوا “لندن”.. الجو كان برد قارس، مطر خفيف  في الوش، وسما رمادية كئيبة شبه روح دياب في اللحظة دي.

فاتن كانت ماشية وراه بخطوات سريعة، بتجر شنطتها التقيلة اللي مليانة خزين وحاجات من ريحة البلد (أمها وجدته أصروا يحطوها). هدومها البسيطة ماكانتش مدفياها، كانت بترتعش، بس دياب ما فكرش حتى يبصلها أو يساعدها في الشنطة. كان بيمشي بسرعة كأنه قاصد ي على ذنب هي معملتوش.

وصلوا اصغيرة جداً، أوضتين وصالة، مفروشة بفرش متواضع لطلبة الجامعة.

دياب رمى مفاتيحه على الترابيزة، وبصلها بنظرة كلها قسوة وبرود:

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى