روايات وقصص

إبني وهو عنده ١٠ سنين

رفعت نهى عينيها ناحيتي وقالت بهدوء

إنتِ.

شهقت.

أنا؟!

هزت رأسها.

ابنك كان راجع يقابلك يوم الحادث… وكان ناوي يسلمك المفتاح بنفسه، ويشرحلك كل حاجة. لكنه ما لحقش.

سكتت الدنيا حواليا.

كل السنين دي… كنت فاكرة إن ابني خرج يومها عادي.

لكن الحقيقة إنه كان راجع وهو شايل أمانة ليا.

بسرعة فتحت الرسالة مرة تانية، وقلبت الورقة من الخلف.

ولأول مرة لاحظت إن فيه سطر صغير جدًا مكتوب بالقلم الرصاص، كأنه اتكتب في آخر لحظة.

اقتربت من الضوء عشان أقرأه.

وكان مكتوب

يا أمي… لو المفتاح ضاع، دوري في المكان اللي فيه الشجرة الكبيرة… هتفهمي كل حاجة.

رفعت رأسي ببطء.

وبصيت للشجرة الضخمة الواقفة في آخر المقابر…

نفس الشجرة…

اللي آدم كان بيرسمها كل مرة بصيت للشجرة، وحسيت بقشعريرة سرت في جسمي.

كانت واقفة في آخر صف المقابر، كبيرة وقديمة، وفروعها مغطية جزء من المكان.

همست من غير ما أحس

هي دي…

آدم ساب إيد أبوه، ومشى ناحيتها بخطوات هادئة.

ناديت عليه

استنى يا آدم.

وقف، وبصلي، وقال

هو كان واقف هنا.

قلبي دق بعنف.

مين؟

قال ببساطة

الولد اللي بيبتسم.

نهى بصتلي باستغراب، أما جوزها فقال

يمكن بيتخيل… الأطفال ساعات خيالهم واسع.

هزيت رأسي، لكني كنت عارفة إن لازم أشوف المكان.

قربنا كلنا من الشجرة.

كان التراب حوالين جذعها ناشف، لكن في ناحية صغيرة كأنها اتقلبت من وقت قريب.

ركعت على الأرض، وبدأت أزيح التراب بإيدي.

نهى نزلت تساعدني، وجوزها جاب قطعة خشب صغيرة من جنب السور وبدأ يحفر بحذر.

بعد دقائق…

سمعنا صوت خفيف.

تك.

وقفنا كلنا.

كان فيه جسم معدني تحت التراب.

طلعناه بهدوء.

علبة حديد صغيرة، غطاها عليه صدأ، لكنها كانت مقفولة بإحكام.

بصيت لنهى.

قالت وهي متوترة

دي مشفتهاش قبل كده.

حاول جوزها يفتحها، لكنها كانت مقفولة.

قلت وأنا بافتكر كلام الرسالة

المفتاح…

لكن المفتاح فين؟

في اللحظة دي، آدم قرب من العلبة، ولمسها بإصبعه الصغير.

وبعدين بص ناحيتي وقال

المفتاح مش هنا.

استغربت.

أمال فين؟

رفع عينه للسماء لحظة، كأنه بيفكر، ثم قال

في البيت… جوه الحاجة الخشبية اللي فيها الصور.

شهقت.

في البيت عندي فيه صندوق خشبي قديم، بحط فيه صور ابني وكل متعلقاته.

الصندوق ده مفتحتوش من يوم وفاته.

كنت كل ما أبصله، أقفله تاني من غير ما ألمسه.

نهى قالت بسرعة

يلا… لازم نروح.

أخدنا العلبة معانا، ورجعنا بيتي.

دخلت أوضتي، ووقفت قدام الصندوق الخشبي.

إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه لأول مرة من خمس سنين.

كانت الصور زي ما هي…

وساعته…

وكشكول قديم…

وتحتهم، في ركن صغير جدًا، لقيت ظرفًا لم أره من قبل.

كان مربوطًا بخيط أزرق.

ولما فتحته…

وقع منه مفتاح نحاسي قديم.

لكن مع المفتاح كانت فيه ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط ابني

لو لقيتي المفتاح… متفتحيش الصندوق لوحدك. لازم يكون الراجل العجوز موجود… لأنه الوحيد اللي يعرف السر الكامل.

ساد الصمت في الغرفة.

ونظرت إلى الرجل الذي سلمني الرسالة في الصباح…

لكن مكانه كان خاليًا.

لأننا لم نأخذ منه أي رقم هاتف…

ولا حتى سألناه عن اسمه اتبادلنا النظرات في صمت.

أول واحد اتكلم كان جوز نهى

إحنا حتى ما سألناهوش اسمه… ولا قال ساكن فين.

حاولت أفتكر ملامحه بالتفصيل.

كان راجل كبير، شعره أبيض، وماسك عصاية خشب، وفي إيده خاتم فضة عليه حرف واحد محفور.

لكن وقتها كنت مصدومة بالرسالة، ومركزتش في أي حاجة تانية.

نهى فجأة قالت

استني…

جريت على الشنطة بتاعتها، وطلعت منها كارت صغير.

لما سلّمنا الرسالة، وقع منه ده من غير ما يحس.

أخدت الكارت بسرعة.

كان قديم، ولونه باهت.

مكتوب عليه

محمود عبدالعزيز أمين أرشيف متقاعد.

وتحته عنوان قديم في حي من أحياء المدينة.

قلت فورًا

لازم نروحله.

تاني صباح، وصلنا للعنوان.

البيت كان قديم جدًا، وبابه الخشبي مقفول.

خبطنا أكتر من مرة.

وبعد شوية، فتحت لنا سيدة كبيرة في السن.

سألتها

لو سمحتي… الأستاذ محمود موجود؟

بصتلنا باستغراب، وقالت

حضراتكم تقربوله إيه؟

قلت

إحنا بندور عليه في موضوع مهم.

نزلت رأسها بحزن وقالت

للأسف… الأستاذ محمود توفى من أسبوع.

حسيت إن الأرض بتميد بيا.

توفى؟!

هزت رأسها.

أيوه… لكن قبل وفاته كان كل يوم يقول إنه مستني يسلم أمانة لصاحبتها، وكان رافض يرتاح قبل ما يعمل كده.

بصيت لنهى.

يبقى الراجل نفذ وعده فعلًا.

السيدة كملت

استنوا.

دخلت، ورجعت بعد دقيقة وهي شايلة دفتر جلدي قديم.

وقالت

وصاني… لو حد جه ومعاه مفتاح نحاس قديم، أسلمه الدفتر ده.

فتحت الدفتر بحذر.

في أول صفحة كانت فيه جملة مكتوبة بخط محمود

لو وصلتوا لهنا… يبقى الأمانة بدأت ترجع لأصحابها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى