
بصيت لها وقلت: “وسارة مراتي.. وليلى ويحيى عيالي.. إنتي استغليتي غيابي عشان تكسريهم.”
الكلبشات حددت في إيدها.. ومروة بدأت تصوت وتلوم أمها وتلومني وتلوم سارة وتصرخ.. الجيران في الكومبوند بدأوا يفتحوا الشبابيك ويتفرجوا على الفضيحة اللي بتحصل في الفلل اللي شكلها نضيف من برة.
-
كان عندي عشر سنينمنذ يوم واحد
-
ترك والدي الجامعةمنذ 3 أيام
-
اهانه فى البنك لمحمد نورمنذ 3 أيام
وأمي ورايحة على عربية البوكس، لفت وقالت: “يا يوسف احنا دم واحد!”
وقفت على السلم وحاضن سارة وقلت: “الدم مبيجوعش العيال تحت الأرض ويشرب فوق عصير براند.”
العربيات مشيت.. والهدوء رجع للفيلا.. والمرة دي، الهدوء ده كان بتاعنا احنا.
الجزء الرابع: البيت رجع لأصحابه
أول حاجة سارة عملتها إنها فتحت كل الشبابيك والستائر.. الشمس دخلت الأوض اللي أمي كانت عايشة فيها كأنها قصر ملكها.. ليلى بقت تمشي في الريسبشن وتلمس العفش كأنها في متحف بعد شهور من الحبس.. ويحيى طلع على الكنبة وبص لي مستني حد يزعق له وينزله.
قلت له: “اقعد يا حبيبي براحتك..” ملوش غير لما أمه قعدت جنبه وحضنته.
حطيت المفاتيح الجديدة في إيد سارة وقلت لها: “البيت ده بتاعك وبتاع عيالك.. ومحدش ليه كلمة عليكي تاني.”
سارة بصت للمفاتيح وقالت بصوت واطي: “إنت هتقعد معانا؟”
السؤال كان صعب.. أنا غبت خمس سنين.. كنت فاكر إن الفلوس اللي ببعتها هي الأمان.. مكنتش أعرف إن غيابي ساب مساحة للشر يدخل.. الفكرة مش تصليح بيت وخلاص.. الفكرة تصليح نفوس.
قلت لها: “آه هقعد.. لو وافقتي تديني فرصة أصلح اللي غيابي اتسبب فيه.”
بصت لي كتير وقالت: “احنا مش أجهزة بايظة هتعمل لها صيانة.. لازم تقعد وتستحمل الوجع لحد ما نخف.”
هزيت راسي وقلت: “هستحمل.”
الأسابيع اللي بعد كده كانت شغل بجد.. شيلنا المحارة البايظة من البدروم، عالجنا الرطوبة، دهنا الحيطان، ركبنا دفاية كويسة، وقلبنا المكان لأوضة ألعاب زي ما وعدتهم زمان.. غيرنا الحسابات، وأرقام التليفونات، وباسورادات كل حاجة.
ليلى بدأت تروح لدكتور نفسي للاستشارات.. ويحيى كان بيستخبى بالأكل تحت المخدة من خوفه، وسارة عيطت أول ما لقت كيس بسكوت مستخبي جوة دبدوبه.. مكنش ينفع نقول له “ماتخافش الأكل كتير”، سيبنا باسكيت مليان حلويات في الصالة باين طول الوقت عشان يطمن.. الأمان مبيجيش بكلمة، بيجي بالأيام اللي بتثبت إنه حقيقي.
سارة رجعت للي بتحبه.. بدأت تعمل كيك وتورت وتبيع أونلاين وسمت الجروب بتاعها “مخبوزات التجمع”.. وأول أوردر جالها كان من جيرانا اللي عرفوا قصتها وبقوا يدعموها.. وبقت تطلع أوردرات وتضحك مع العيال، وأيام تانية تسكت خالص لو سمعت صوت رزع باب.. الصدمة بتاخد وقت عشان تمشي.
أما أمي ومروة.. فالقانون خد مجراه.. الحسابات اتجمدت والنيابة اشتغلت، وصحابهم بتوع الحفلات اختفوا ومحدش بقا يرد عليهم.. مروة حاولت تقول “أمي اللي قالت لي”، بس كشوفات الفيزا باسمها مكنش فيها أي عاطفة.
زرت أمي مرة واحدة بطلب من المحامية.. كانت قاعدة ورا الإزاز في السجن، شكلها صغر، من غير مكياج ولا لبس غالي.
قالت لي: “سارة ه تسيبك في الآخر.. الستات دي مبيطمرش فيهم.”
بصيت لها من ورا الإزاز وقلت: “إنتي لسه فاكرة إن الموضوع صراع بينك وبينها عليا؟”
”أنا عملت اللي شايفاه صح.”
”صح لمين؟”
منطقتش.. ودي كانت آخر كلمة بيني وبينها.
بعد سنة.. البدروم بقى ريحته خشب جديد ودهان وفانيليا من كيك سارة اللي بيستوي فوق.. وبقى اسمه “أوضة الألعاب”.. ليلى ويحيى بيجروا فيه، وسارة رسمت على الحيطة شجرة كبيرة وبيوت منورة.
في ليلة من ليالي الشتا، واحنا قاعدين قدام التلفزيون والبيت دافي وفيه أكل وصوت ضحك العيال حقيقي.. سارة بصت للنار وقالت: “كنت بسمع ضحكهم فوق وأنا بموت تحت.”
مسكت إيدها وقلت لها: “عشان كده احنا دلوقتي هنعمل صوت أحلى.. صوت يغطي على أي وجع فات.”
وبدأنا نعمل صوت أحلى.. نلم الجيران، نلعب مع العيال، وبقى البيت مفتوح في كل المناسبات.. وفي العيد، علقنا زينة منورة كبيرة على البوابة عشان سارة قالت: “لازم أي طفل يعدي يعرف إن البيت ده أمان وفيه ترحيب.”
أنا سبت شغل الغربة.. واشتغلت مهندس صيانة في شركة طاقة شمسية في أكتوبر.. المرتب أقل، بس كل يوم المغرب بكون وسط عيالي.. بقيت موجود.. والوجود هو الأمان الحقيقي.. الأمان مش فلوس بتتبعت في الحساب.. الأمان إنك تصدق اللي بيوشوشك في الضلمة، وميغركش صوت اللي بيضحك فوق وبيوزع كاسات على حساب تعب غيره.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








