روايات وقصص

توأمي حكايات اسما السيد

رجعت للحاضر وبصيت لأبويا.

— إنت كنت عارف؟

ما ردش.

قربت منه.

— إنت كنت عارف إن بنتي عايشة؟

رفع عينه ليا.

والإجابة كانت واضحة قبل ما يتكلم.

صفعته.

إيدي اتحركت لوحدها.

أبويا ما اتحركش.

ما غضبش.

حتى ما لمسش خده.

قال:

— من حقك.

بدأت أعيط وأنا بزعق:

— 13 سنة يا بابا!

— عارف.

— 13 سنة وأنا بروح المقابر!

— عارف.

— 13 سنة وأنا بلوم نفسي!

— عارف يا بنتي.

— وإنت ساكت؟!

خبطت بإيدي على صدره.

— إزاي قدرت تبص في وشي كل يوم وتسكت؟!

انهار أبويا في العياط.

وقال:

— لأني كنت فاكر إني بحميكي.

ضحكت وسط دموعي.

— بتحميني؟ من إيه؟ من بنتي؟!

قال بسرعة:

— الموضوع مش بالشكل اللي إنتِ متخيلاه.

— يبقى بالشكل إيه؟!

رجع للصندوق.

طلع ملف بني قديم.

حطه قدامي.

— يوم ما البنتين دخلوا المستشفى… حصلت حاجة إنتِ ما تعرفيهاش.

بصيتله.

قال:

— بنتك فعلًا كانت حالتها خطيرة جدًا.

— وبعدين؟

— لكن البنت اللي ماتت في المستشفى…

سكت.

قربت منه.

— إيه؟

قال:

— ما كانتش بنتك.

حسيت الأرض اتحركت تحت رجلي.

— يعني إيه؟

— حصل خطأ في التعرف على طفلة تانية وصلت المستشفى في نفس الليلة بعد حادث. وفي وسط الفوضى، حصل لخبطة في البيانات.

قلت:

— ولو حصل خطأ… ليه جوزي خد بنتي ومشي؟ وليه إنت وافقت؟

أبويا مسح دموعه.

— لأنه لما اكتشف الحقيقة، اكتشف معاها حاجة أخطر.

— إيه هي؟

فتح الملف.

كان جواه أوراق طبية قديمة.

تقارير.

تحاليل.

وفي الآخر ظرف أبيض مكتوب عليه بخط جوزي:

“إلى زوجتي… عندما تصبح ابنتنا في الثامنة عشرة.”

مديت إيدي ناحية الظرف.

لكن أبويا مسكه قبل ما آخده.

— قبل ما تقريه، لازم تعرفي حاجة.

بصيتله بغضب:

— مفيش حاجة في الدنيا ممكن تبقى أسوأ من اللي عرفته.

قال:

— فيه.

سكت لحظة، وبعدين كمل:

— جوزك ما اختفاش لأنه كان عايز يهرب منك.

— أمال؟

قال:

— اختفى علشان يحمي البنت.

ضحكت بمرارة:

— يحميها من أمها؟

هز رأسه.

— لأ.

قرب مني وهمس:

— يحميها من الناس اللي كانوا بيدوروا عليها.

فضلت باصة له من غير ما أفهم.

— ناس مين؟

أبويا أشار للتقارير.

— في الليلة دي، الدكتور اكتشف إن المرض اللي أصاب بنتك مش مرض طبيعي زي ما اتقالك.

حسيت جسمي كله برد.

— تقصد إيه؟

قال:

— التحاليل أثبتت إن جسمها دخل فيه دواء بجرعة خطيرة جدًا… دواء ماكانش المفروض طفلة في سنها تاخده أصلًا.

فتحت بقي من الصدمة.

— إنت بتقول إن حد أذاها؟

أبويا ما جاوبش.

لكن نظرته كانت كفاية.

وفجأة…

سمعنا صوت حاجة وقعت على الأرض ورا باب المطبخ.

لفينا إحنا الاتنين.

بنتي كانت واقفة عند الباب.

لابسة بيجامتها، ووشها أبيض زي الورق.

واضح إنها كانت واقفة بقالها فترة.

وإنها سمعت جزء كبير من الكلام.

بصتلي.

وبعدين بصت لجدها.

وقالت بصوت بيرتعش:

— ماما…

سكتت ثواني قبل ما تسأل:

— إنتوا بتقولوا إن أختي عايشة؟

ماعرفتش أرد.

قربت مني والدموع ملت عينيها.

— هي عايشة فعلًا؟

حضنتها.

لكنها بعدت عني بسرعة وقالت:

— طب فين؟

بصيت لأبويا.

— أيوه يا بابا… فين بنتي؟

أبويا أخد نفس طويل.

وبعدين قال:

— أبوها خدها وخرج بيها من البلد بعد الحادث بفترة قصيرة.

— وعايشة فين دلوقتي؟

— معرفش عنوانها الحالي.

صرخت:

— إزاي يعني معرفش؟!

قال:

— لأنه من حوالي أربع سنين… جوزك وقف يبعتلي أي حاجة.

سكتنا.

قلت:

— وقف ليه؟

أبويا بص ناحية الظرف الأبيض.

— آخر رسالة وصلتني منه كانت الرسالة دي.

خدت الظرف من إيده المرة دي.

فتحته.

كان جواه ورقتين.

أول سطر كان:

“لو الرسالة دي وصلت لمراتي بعد ما بنتنا تتم 18 سنة، فده معناه إني غالبًا ماقدرتش أرجع بنفسي.”

إيدي بدأت ترتعش.

كملت القراءة:

“أنا عارف إنها هتكرهني، ويمكن عمرها ما تسامحني. لكن اليوم اللي خرجت فيه ببنتنا من المستشفى، ماكنتش بهرب من بيتي… كنت بهرب ببنتنا من شخص عرف إنها ما ماتتش.”

وقفت عن القراءة.

بنتي قالت:

— كملي يا ماما.

بصيت للسطر اللي بعده.

وكان مكتوب:

“والشخص ده كان قريب مننا جدًا… لدرجة إنه كان موجود في المستشفى في الليلة دي.”

رفعت عيني ناحية أبويا.

وشه اتغير.

وفجأة فهمت إن لسه فيه سر تاني.

سر أكبر من إن بنتي عايشة.

قلبت الورقة بسرعة.

لكن الصفحة التانية ماكانش فيها تكملة الرسالة.

كان فيها اسم.

واسم مستشفى.

ورقم ملف طبي.

وتحتهم جملة واحدة بخط جوزي:

“لو عايزة تعرفي مين حاول يؤذي بنتنا… ابدئي من الملف ده، وماتثقيش في أي حد كان موجود معانا الليلة دي.”

بصيت لأبويا.

وهو بصلي.

وبنتي واقفة بينا مش فاهمة.

لكن أنا كنت فاكرة الليلة دي كويس.

لأن غيري وغير جوزي وأبويا…

كان فيه شخص رابع وصل المستشفى بعدنا بدقايق.

شخص أنا نفسي كنت اتصلت بيه وطلبت منه ييجي يقف جنبي.

شخص دخل أوضة بنتي قبل ما حالتها تتدهور للمرة الأخيرة.

وفجأة…

افتكرت حاجة صغيرة جدًا حصلت قبل 13 سنة.

حاجة وقتها ما أخدتش بالي منها.

لكن دلوقتي خلت جسمي كله يقشعر.

بصيت لأبويا وقلت:

— بابا…

رفع عينه.

قلت وأنا بالكاد قادرة أطلع صوتي:

— إنت فاكر مين اللي جاب للبنتين العصير قبل ما واحدة فيهم تتعب؟

أبويا ما ردش.

لكن وشه شحب أكتر.

وساعتها عرفت…

إنه فاكر.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى