عام

مضيق هرمز…

وفي المقابل، تدرك طهران أن إغلاق المضيق بصورة كاملة ولفترة طويلة ليس خياراً عملياً في ظل التفوق البحري ، وما قد يترتب عليه من تداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية واسعة، إذ تعتمد الموازنة العامة بصورة رئيسة على عائدات النفط والغاز ومشتقاتهما التي تشكل نحو 80 في المئة من مواردها، مقابل نحو 20 في المئة من الأخرى. ولذلك، بدا أن الرهان انصرف إلى معادلة مختلفة، تقوم على الإبقاء على مستوى مرتفع من الأخطار الأمنية في محيط المضيق، حيث يصبح مجرد احتمال الملاحة كافياً لرفع أسعار النفط وزيادة أقساط التأمين البحري وارتفاع كلفة النقل، مما ينعكس على الاقتصاد العالمي.

وبذلك، لم يعُد الهدف مقتصراً على تعطيل الملاحة، بل اتسع ليشمل تحويل حال عدم اليقين نفسها إلى أداة ضغط استراتيجية. ففي اقتصاد عالمي يعتمد على سلاسل إمداد مترابطة، يكفي ارتفاع مستوى الأخطار أو تأخر وصول الشحنات أو زيادة كلف التأمين لإحداث اقتصادية تتجاوز، في بعض الأحيان، نتائج استخدام القوة العسكرية .

معادلة المتبادل

أدخل هذا التحول الطرفين في ما يشبه معادلة “الألم المتبادل”، فلم يعُد أي منهما يسعى إلى تحقيق نصر عسكري تقليدي بقدر ما يعمل على رفع كلفة على ، واختبار قدرته على مواصلة .

فمن جهة، سعت إلى نقل جزء من كلفة إلى خارج حدودها، من خلال استثمار الموقع الجغرافي لمضيق هرمز كورقة ضغط تؤثر في أسواق الطاقة العالمية، إذ إن كل ارتفاع في أسعار النفط وكل زيادة في كلف الشحن والتأمين وكل في سلاسل الإمداد، يفرض أعباء إضافية على الاقتصادات المستوردة للطاقة، ويخلق ضغوطاً متزايدة على الحكومات والشركات والأسواق الدولية.

وفي المقابل، تبنت الولايات المتحدة استراتيجية معاكسة تقوم على تركيز الكلفة داخل إيران نفسها، فمن خلال تشديد الحصار البحري واستهداف الموانئ وتعطيل البنية اللوجستية حركة النفطية، سعت واشنطن إلى تقليص الموارد المالية التي يعتمد عليها الاقتصاد وإضعاف قدرة الدولة على تمويل عملياتها العسكرية، بما يرفع كلفة استمرار بالنسبة إلى .

وهكذا، لم يعُد الاقتصاد مجرد أحد ، بل تحول إلى ميدانها الرئيس. فبينما سعت إيرانإلى تعميم الكلفة على الاقتصاد العالمي، ركزت الولايات المتحدة على تعظيمها داخل إيران، لتصبح الإيرادات والطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة، عناصر لا تقل أهمية عن الصواريخ والطائرات في تحديد مسار .

ومن هنا، لم تعُد تدور حول السيطرة على الأرض بقدر ما باتت تتمحور حول الطرف الأقدر، في الأقل في المدى المنظور، على التحكم بتدفقات التجارة والطاقة، وإجبار خصمه على دفع كلفة اقتصادية وسياسية أكبر. وعند هذه النقطة تحديداً، بدأت المواجهة في مضيق هرمز تخرج من إطارها العسكري التقليدي، لتتحول إلى على اقتصادي متبادل، سيكون لهما أثر في مجريات وفي طبيعة التوازنات الإقليمية التي قد تتشكل بعدها.

 

الموانئ… ومن يملك مفاتيح الاقتصاد العالمي؟

إذا كانت إيران سعت إلى توظيف مضيق هرمز باعتباره ورقة ضغط اقتصادية، فإن الولايات المتحدة لم تتعامل مع هذا التحدي بوصفه مجرد أزمة ملاحة، بل باعتباره معركة تقليص قدرة طهران على استثمار موقعها الجغرافي في فرض معادلات سياسية واقتصادية جديدة. ومن هنا، جاء الرد الأميركي عبر الأدوات التي تمنح القدرة على إدارة هذه الورقة، لا عبر الاكتفاء بحماية السفن أو مرافقتها عسكرياً.

ولهذا، لم يكُن استهداف موانئ بندر عباس (جمبرون) وبوشهر وخرج وجاسك أو ضرب منشآت الإمداد والاتصالات وشبكات الطرق والجسور، مجرد عمليات عسكرية متفرقة، بل جاء في إطار استراتيجية هدفت إلى الحد من قدرة على إدارة عملياتها البحرية وإضعاف البنية اللوجستية التي تستند إليها في تشغيل موانئها وتأمين صادراتها ومراقبة حركة الملاحة في الخليج العربي.

 

فالموانئ خلال الحديثة لم تعُد مجرد مرافق تجارية، بل أصبحت مراكز لإدارة وتأمين سلاسل الإمداد وتنسيق العمليات البحرية، فضلاً عن أنها قواعد لتشغيل الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة ومنظومات الرصد والاستطلاع الساحلية. ومن ثم، فإن استهدافها لا يقتصر أثره على تعطيل النشاط التجاري، بل يمتد إلى التأثير في القدرة العسكرية والاقتصادية للدولة في آن واحد.

ومن هذا المنطلق، ركزت الضربات الأميركية على منظومات القيادة والسيطرة والرصد البحري والزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري التي تمثل أحد أهم عناصر العقيدة البحرية القائمة على غير المتماثلة، والتي تعتمد على الخصم عبر بحرية سريعة ومتفرقة، بدلاً من الدخول في بحرية تقليدية.

وفي المقابل، أدركت طهران أن قدرتها على الصمود لا تعتمد فقط على ما تمتلكه من وسائل عسكرية، بل أيضاً على الإبقاء على مضيق هرمز بوصفه ورقة ضغط استراتيجية، مما انعكس بوضوح في الخطاب السياسي والعسكري خلال الأسابيع الأخيرة من .

فمع انهيار اتفاق التهدئة الموقت وتصاعد العسكرية، انتقلت التصريحات الرسمية الإيرانية من الحديث عن إغلاق مضيق هرمز إلى التأكيد أن مستقبل الملاحة فيه بات مرتبطاً بمسار الأميركية في المنطقة.

وفي الـ15 من يوليو (تموز) الجاري، أعلنت بحرية “الحرس الثوري” أن استمرار العمليات والحصار البحري يعني أن “تصدير النفط والغاز في المنطقة إما أن يكون للجميع أو لا يكون لأحد”، مضيفة أن أي تصعيد قد يمتد إلى مسارات تصدير الطاقة الأخرى المرتبطة بالمحيط الهندي وباب المندب. وفي اليوم التالي، قال المتحدث باسم إن “الأوضاع في مضيق هرمز لن تعود لما كانت عليه قبل “، محذراً من أن البنية التحتية سيقابله للبنى التحتية للطاقة في المنطقة.

وفي السياق ذاته، وصف مستشار المرشد للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، مضيق هرمز بأنه جزء من السيادة ، مؤكداً تمسك طهران بدورها في هذا الممر البحري. أما المستشار العسكري للمرشد والقائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي، فاعتبر أن “السيطرة على مضيق هرمز أهم من عشرات “، في تصريح يعكس المكانة التي المضيق في التفكير باعتباره من أهم أدوات الردع والضغط.

وتعكس هذه التصريحات، بمجملها، أن مضيق هرمز مكانة مركزية في التفكير الاستراتيجي ، ليس باعتباره ممراً بحرياً وحسب، وإنما بوصفه إحدى أهم الأوراق التي يمكن من خلالها التأثير في أسواق الطاقة العالمية ورفع كلف النقل والتأمين وإعادة توزيع جانب من كلفة على الأطراف المنتظمة فيها أو المتأثرة بها.

معركة البدائل… هل يمكن تجاوز هرمز؟

في المقابل، دفعت هذه التطورات دول الخليج العربي إلى تسريع جهودها الرامية إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، من خلال تعزيز استخدام خطوط الأنابيب البرية، وفي مقدمتها خط أنابيب أبو ظبي – المطل على بحر ، وخط الأنابيب السعودي شرق – غرب الممتد إلى البحر الأحمر، بما يتيح تصدير جزء من النفط بعيداً من المضيق في حالات .

ولهذا، لم تعُد تدور حول إغلاق مضيق هرمز أو إبقائه مفتوحاً، بقدر ما أصبحت تتمحور حول قدرة كل طرف على فاعلية الورقة التي يمتلكها خصمه. المتحدة سعت إلى تقليص قدرة على توظيف الأهمية العسكرية والاقتصادية للمضيق كورقة ضغط، من خلال الموانئ والبنية التحتية الساحلية وطرق الإمداد المرتبطة بقدراتها العسكرية، في حين سعت طهران إلى الإبقاء على حال من عدم اليقين في الملاحة، بما يحافظ على قيمة المضيق كورقة ضغط قابلة للاستخدام في الراهنة أو في أية مقبلة.

الوقت… الذي لا يقل عن

إضافة إلى الاقتصاد والطاقة، برز عامل آخر لا يقل أهمية في إدارة ، وهو عامل الزمن. فكلما طال أمد المواجهة، ازدادت كلفتها على جميع الأطراف، واتسعت تداعياتها لتتجاوز ساحات القتال وتمتد إلى أسواق المال والطاقة وشركات الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية.

 

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن استمرار لفترة طويلة يعني ارتفاع الكلفة الاقتصادية والسياسية، سواء نتيجة أسواق الطاقة أو بسبب تنامي الضغوط على الحلفاء الإقليميين، فضلاً عن تزايد الأعباء العسكرية اللازمة لضمان أمن الملاحة وحماية البنية التحتية للطاقة في الخليج العربي.

وفي المقابل، تدرك إيران أن إطالة أمد تستنزف مواردها الاقتصادية والعسكرية في ظل العقوبات واستمرار منشآتها الحيوية، إلا أنها تراهن على أن يفرض عامل الزمن ضغوطاً متزايدة على ، ويدفعهم إلى إعادة في كلفة استمرار المواجهة مقارنة بالعوائد المتوقعة منها.

ومن هنا، لم يعُد الزمن مجرد عنصر مرافق ، بل تحول إلى أداة استراتيجية بحد ذاته، يسعى كل طرف إلى توظيفها بما يخدم . فواشنطن تراهن على أن استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية سيقود في نهاية المطاف إلى إضعاف قدرة طهران على مواصلة ، بينما تراهن إيران على أن ارتفاع الكلفة الإقليمية والدولية سيجعل احتواء الأزمة أكثر جدوى بالنسبة إلى خصومها من استمرار التصعيد.

وفي ظل هذا التوازن الدقيق، فإن صمود الاقتصادي وقدرتها على إدارة مواردها والحفاظ على استمرارية مؤسسات الدولة، عوامل لا تقل أهمية في رسم مسار وتحديد مآلاتها من التفوق العسكري الذي تتمتع به الولايات المتحدة.

وتكشف المواجهة التي شهدها مضيق هرمز خلال الأشهر الأخيرة عن أن طبيعة الحروب في الشرق الأوسط تحولاً متسارعاً، إذ لم تعُد السيطرة على الأرض أو امتلاك التفوق العسكري كافيين لحسم ، بل غدا الاقتصاد والطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد أدوات رئيسة في إدارة وإعادة تشكيل موازين القوى.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى