روايات وقصص

اتجوزت مليونير

الجزء الأول حلم الفتاة التي لا تحب العمل كان عمري تسعة وعشرين عامًا، وطوال حياتي لم أستطع الاستمرار في أي وظيفة لأكثر من أسابيع معدودة. كنت أترك العمل لأبسط الأسباب، فالاستيقاظ بكرًا يرهقني، والتعليمات تشعرني بالقيود، والجلوس خلف مكتب ساعات طويلة يبدو لي كأنه سجن بطيء. كنت دائمًا أعود إلى البيت وأرمي حقيبتي على الكنبة، وأنظر إلى أمي التي كانت تسألني بحزن عن سبب تركي للعمل هذه المرة، فأقول لها بثقة وغرور يا أمي، هل سأظل محپوسة خلف مكتب طوال عمري؟ أنا جميلة، وأستحق حياة أفضل من هذه. أنا أستطيع أن أتزوج رجلًا ناجحًا يوفر لي كل ما أحلم به وأعيش مرتاحة دون أن أضطر للعمل يومًا واحدًا.

 

كانت أمي تهز رأسها وتدعو لي بالهداية، أما أنا فكنت مقتنعة تمامًا بأن يومي القادم لا محالة، وأن الشاب الغني الذي سينشلني من

هذه الحياة البسيطة موجود في مكان ما وديدن حياتي هو البحث عنه. كنت أقضي أوقاتي في التجول في الأماكن الراقية، والمقاهي الشيك، والتنزه في المناطق التي يرتادها أصحاب الأموال، علّ الصدفة تجمعني بمن يغير مجرى حياتي.

وفعلاً، جاء ذلك اليوم. كنت أجلس في مطعم شيك جدًا في أحد الأحياء الفخمة، أشرب قهوتي وأراقب الحاضرين. ولفت انتباهي رجل كبير في السن، يجلس بمفرده على طاولة مجاورة. لم يكن شابًا، بل كان بادية عليه آثار العمر بشكل واضح، لكن هيئته كانت تصرح بالثراء؛ ساعته الذهبية من ماركة عالمية شهيرة تلمع تحت الأضواء، وبدلته يبدو أنها صُممت خصيصًا له عند أشهر الخياطين، وكل الجرسونات في المطعم كانوا يتحركون حوله بحذر واحترام ويتنون عليه باسمه يا بيك.

كان الرجل يبدو في أواخر السبعينيات من عمره، فارق السن بيني وبينه كان

شاسعًا جدًا، لكنني قررت في تلك اللحظة أن أغمض عيني عن السن، فالمال يغطي كل عيب في نظري. وبينما كنت أراقبه، رأيت يده ترتجف فجأة وهو يحاول الإمساك بكوب العصير، لينسكب العصير على الطاولة. وقبل أن يستوعب الأمر أو يصل الجرسون، قمت بسرعة من مكاني، وبابتسامة رقيقة ومهذبة أخرجت منديلاً ورقيًا وساعدته في مسح العصير، وقولت له بلطف ولا يهمك يا فندم، حصل خير.

نظر إليّ بعينين دافئتين وشكرني بنبرة صوت هادئة ورزينة. تحدثنا لدقائق معدودة، عرفت فيها أن اسمه الحاج رشدي، وأنه رجل أعمال متقاعد ولديه استثمارات عديدة. كانت تلك اللحظة هي شرارة البداية التي انتظرتا طويلاً.

الجزء الثاني بداية الشباك والخطوبة الفاخرة

بعد تلك الواقعة بأيام قليلة، تفاجأت ببوكيه ورد ضخم يصل إلى باب منزلنا، ومع بطاقة صغيرة مدون عليها عبارة رقيقة

من الحاج رشدي يعبر فيها عن امتنانه للغتي ولطفي في المطعم، ويدعوني لتناول الغداء معه. طارت أمي من الفرحة، بينما وقف أبي ينظر إلى الأمر بقلق. لم أضيع الفرصة، وذهبت لمقابلته.

تكررت اللقاءات بيننا، وكان يتعامل معي بمنتهى الأدب والكرم، يغمرني بالهدايا والمجاملات. وبعد فترة قصيرة لم تتجاوز الشهرين، طلب يدي للزواج. ولم يكن طلباً عادياً، بل قدم لي خاتم ألمس ضخمًا يخطف الأبصار، يلمع بشدة وېصرخ بالرفاهية. عندما عدت إلى المنزل وأريت الخاتم لأهلي، أقيمت مناقشة حادة.

قال لي أبي وهو ينظر إليّ بجدية وحزن يا بنتي، الراجل ده داخل على التمانين سنة… إنتِ عندك تسعة وعشرين سنة بس! الفارق بينكم كبير جداً، هل إنتِ فعلاً بتحبيه ولا داخلة على طمع؟

رددت عليه بثقة برودة يا بابا، هو بيعاملني كويس جداً، وبيحترمني، وبيوفر لي كل

اللي بحلم

متابعة القراءة

2

اتجوزت مليونير

بيه… مش ده المهم؟ الحب بييجي مع الوقت والمعاملة الحرة.

لكن الحقيقة التي لم أجرؤ على قولها لأبي، ولا حتى لأمي، هي أن كل ما كان يشغل تفكيري هو القصر الكبير الذي يمتلكه رشدي. كان يحدثني عنه باستمرار، يقول إنه قصر تاريخي فخم في منطقة راقية، وبها حديقة واسعة وحمام سباحة وسلالام رخامية، وأنه الآن يخضع لتجديدات شاملة وديكورات جديدة حتى يكون جاهزاً لاستقبالنا بعد الزواج. كنت أغلق عيني وأتخيل نفسي وأنا أسير في صالونات ذلك القصر، وأرتدي أفخم الفساتين، وأقيم العزائم الراقية، وأعيش حياة الملوك دون أن أحمل هم الفلوس أو العمل لأي يوم في حياتي.

الجزء الثالث إشارات غريبة وظلال الشك

مع اقتراب موعد الزفاف، بدأت تظهر بعض التصرفات والأحداث الغريبة التي لم أجد لها تفسيراً منطقياً في البداية. في إحدى المرات، عندما كنا متفقين على الذهاب لمعاينة

بعض مستلزمات الفرح، جاء لي بسيارة أقدم بكثير من سيارته الفاخرة التي رأيته بها أول مرة. وعندما سألته باستغراب، قال باعتذار عربيتي الفاخرة للأسف في التوكيل بتعمل صيانة دورية، فاستعرت عربية أحد أصدقائي للمشاوير البسيطة. بلعت الأمر وتقبلت العذر.

وبعدها بأسبوعين، وأثناء تحضيرات الزفاف، قال لي بنبرة قلقة بعض الشيء إن بعض حساباته الاستثمارية الكبيرة في البنوك تم تجميدها مؤقتاً بسبب إجراءات ضريبية وتدقيق روتيني من الجهات المختصة، وأن هذا الأمر جعله يواجه ضائقة مالية بسيطة وورقية لن تدوم طويلاً.

لم أهتم كثيراً، واعتبرت ذلك مجرد كبوة إدارية مؤقتة تحصل لأي رجل أعمال كبير. لكن الصدمة الحقيقية جاءت قبل الفرح بأسابيع قليلة؛ عندما اتصل بي وطلب مني بصوت خجل أن أسلفه مبلغاً من المال لكي يستطيع شراء بدلة الفرح ودفع عربون القاعة!

ذهلت وسألته

تسلف مني أنا يا رشدي؟

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى