
— أي طفل؟ وإيه علاقة مراتي بالموضوع؟
سامح تنهد:
— قبل ما تسألني، اسألها هي عن اللي حصل ليلة الحادث.
حسيت إن كل حاجة حواليا بتضغط عليا. قلت:
— أنا ماكنتش أعرف إن الطفل عاش.
سامح رد:
— بس كنتِ آخر واحدة شافته.
بصيت ليو. فجأة افتكرت تفصيلة صغيرة جدًا. في ليلة الحادث، وأنا في المستشفى، كانت فيه ممرضة حطت طفل صغير جنب سريري للحظات. كنت فاكرة إن ده جزء من حلم بسبب الصدمة. لكن الطفل كان ماسك صباعي. وكان بيعيط. وأنا وقتها همست له: “متخافش.”
بعدها فقدت الوعي. ولما صحيت، قالولي إن الطفل اتنقل لمكان تاني. ماعرفتش أكتر من كده.
قلت بصوت مرتعش:
— يوسف، هو إنت كنت الطفل ده؟
ليو ما ردش. لكن سامح قال:
— أيوه.
دموعي نزلت من غير ما أحس. جوزي قرب مني:
— بس إزاي؟ وإزاي الطفل ده وصل لنظام التبني بعد كل السنين دي؟
سامح بص في الأرض:
— لأن خالد مات.
سكتنا.
— وأمه كانت مهددة.
قلت:
— مهددة من مين؟
سامح رفع عينه ليا:
— من نفس الشخص اللي كان بيدور على يوسف لحد النهارده.
في اللحظة دي، صوت عربية وقف قدام البيت. سامح بص ناحية الشباك. ملامحه اتغيرت:
— وصلوا.
جوزي سأله:
— مين؟
سامح ماجاوبش. لكن ليو بدأ يرتعش. مسك إيدي وقال:
— هما عرفوا إني هنا.
بصيتله:
— مين هما؟
فتح فمه… لكن قبل ما يتكلم، تليفونه الصغير رن. رقم مجهول. ليو بص للشاشة، ووشه شحب.
قلت:
— ماتردش.
لكن الرسالة وصلت قبله. فتحها بالغلط. كانت جملة واحدة:
“إحنا عارفين إنك لقيت مريم، وخلال عشر دقايق هنكون عندكم.”
رفعت عيني لسامح:
— إنت كنت مستنيهم؟
هز راسه:
— لأ.
ثم بص ليو:
— أنا كنت بحاول أسبقهم.
جوزي وقف عند باب الأوضة:
— نستنى إيه؟ لازم نكلم الشرطة.
سامح قال:
— اتصلوا.
جوزي طلع موبايله. لكن قبل ما يضغط على الرقم، سمعنا صوت فرامل قوية تحت البيت. وبعدها خبط باب عربية.
ليو قرب مني جدًا. وقال:
— ماما…
اتجمدت. كانت أول مرة يناديني الكلمة دي.
— أيوه؟
بصلي والدموع في عينه:
— أنا مش خايف منهم عشان عايزين ياخدوني.
سألته:
— أمال خايف ليه؟
قال:
— عشان لو مسكوني هيعرفوا إن ماما أخفت الحقيقة في المكان اللي محدش هيدور فيه.
— فين؟
ليو بص للدب اللي في إيدي:
— جوه البيت ده.
وبص للحيطة وراه:
— والحقيقة دي تخصك إنتِ.
جسمي كله اتشد:
— تخصني أنا إزاي؟
ليو ما ردش. كان باصص على الحيطة ورايا، كأنه مستني حاجة تظهر منها. جوزي قرب منه:
— يوسف، ركز معايا. إيه اللي جوه البيت؟
ليو هز راسه:
— ماما قالتلي ما أقولش غير لما أوصل هنا.
— مين ماما؟
— أمي الحقيقية.
بصيتله وأنا حاسة إن كل نفس باخده تقيل:
— وإيه اللي قالتلك عليه؟
ليو بص لسامح:
— هو يعرف.
جوزي لف ناحية سامح:
— اتكلم.
سامح فضل ساكت ثواني، وبعدين قال:
— والدة يوسف كانت بتشتغل في المكان ده قبل ما الحادث يحصل.
بصيتله باستغراب:
— أنهي مكان؟
— البيت.
سكت. جوزي قال:
— بيتنا؟
سامح هز راسه:
— نفس البيت.
قلبي وقف لحظة. مستحيل.
قال:
— البيت ده كان ملك عيلة يوسف زمان.
بصيت لجوزي:
— إحنا اشترينا البيت من حوالي سبع سنين. وكان صاحبه القديم قال لنا إن البيت فضل مقفول فترة طويلة. لكن ماقالش إن طفل عاش فيه.
سامح كمل:
— والدة يوسف كانت بتخبي أوراق مهمة هنا.
سألته:
— أوراق إيه؟
— مستندات تثبت إن والد يوسف اتظلم في قضية كبيرة.
جوزي سأله:
— قضية إيه؟
سامح بصلي:
— قضية اتقال فيها إن خالد سرق فلوس من الشركة اللي كان شغال فيها.
بدأت أفهم:
— يعني خالد ماكانش حرامي؟
— لأ.
— ومين اللي سرق؟
سامح قال:
— الشخص اللي كان عايز يسكت والدته.
وفجأة افتكرت الورقة اللي لقيتها في الدب: “لو لقيت مريم…”
يعني أم يوسف كانت تعرفني. لكن ليه؟ أنا ماكنتش أعرفها إلا من ليلة الحادث. أو ده اللي كنت فاكره.
قلت:
— أنا قابلت أمه قبل الحادث.
سامح هز راسه:
— أكتر من مرة.
اتصدمت:
— لأ.
— إنتِ كنتِ بتشتغلي معاها.
جوزي بصلي بدهشة:
— مريم؟
حطيت إيدي على دماغي. صور قديمة بدأت تظهر في ذاكرتي. مكتب صغير. ملفات. ست بتضحك. طفل بيجري في ممر طويل. لكن كل الصور كانت متقطعة، كأن حد مسح أجزاء منها.
سامح قال:
— بعد الحادث، الصدمة خلتك تنسي حاجات كتير.
بصيتله:
— وليه محدش قالي؟
— لأن أم يوسف طلبت مني ماقولش.
— ليه؟
قبل ما يرد، سمعنا خبط على باب البيت. خبطتين. وبعدين صوت رجل:
— افتحوا.
ليو مسك إيدي:
— هما.
جوزي وقف قدام الباب:
— الشرطة جاية؟
سامح بص في موبايله:
— في الطريق.
الخبط زاد:
— افتحوا الباب!
جوزي قال بصوت عالي:
— البيت عليه كاميرات، والشرطة في الطريق.
ساد صمت. ثم جاء صوت آخر:
— مريم، إنتِ مش عايزة الحقيقة تطلع، صدقيني.
قربت من الباب:
— إنت مين؟
جاء الرد:
— اسألي نفسك الأول ليه اشتريتي البيت ده بالذات؟
اتراجعت. أنا فعلًا ما اخترتش البيت. جوزي هو اللي لقى الإعلان. لكن وقتها… افتكرت حاجة. قبل ما جوزي يشوف الإعلان، كان جالي ظرف مجهول. جواه صورة للبيت. وورقة مكتوب عليها: “لو عايزة تعرفي الحقيقة اشتريه.”
عمري ما حكيت لجوزي عن الظرف. لأني افتكرت إنه مقلب سخيف.
بصيت لجوزي:
— أنا لازم أقولك حاجة.
— إيه؟
— أنا شفت البيت ده قبل ما نشتريه.
— إزاي؟
— حد بعتلي صورته.
وش جوزي اتغير:
— مين؟
ماقدرتش أرد. لأن في نفس اللحظة، سامح بصلي وقال:
— أنا.
سكت الجميع.
قلت:
— إنت؟
هز راسه:
— كنت بحاول أخليكي ترجعي للمكان اللي بدأت فيه الحكاية.
— ليه ماقولتش الحقيقة وقتها؟
قال:
— لأنك لو عرفتي إن يوسف عايش، كنتِ هتدوري عليه.
— وده كان غلط؟
سكت. وبعدين قال:
— لأ، بس كان هيعرض حياتك للخطر.
قبل ما أسأله، سمعنا صوت زجاج بيتكسر في الدور الأرضي. ليو صرخ. جوزي شدني بعيد عن السلم. سامح قال بسرعة:
— خدوا يوسف للأوضة وقفّلوا عليكم.
— وإنت؟
— أنا هحاول أوقفهم لحد الشرطة ما توصل.
لكن ليو فجأة قال:
— استنى!
الجميع بص له. ليو جرى ناحية دولاب صغير في غرفته. فتح الدرج السفلي. طلع منه مفتاح قديم. وقال:
— ماما قالتلي المفتاح ده هيفتح المكان اللي مخبية فيه الحقيقة.
بصيت للمفتاح. كان عليه نفس العلامة الموجودة على الحاجة اللي خرجت من الكيس.
وفي نفس اللحظة… سمعنا صوت باب البيت بيتفتح. ودخل شخص للمنزل. لكن المفاجأة ماكانتش إنه دخل. المفاجأة كانت في صوته لما قال:
— أنا مش جاي آخد يوسف.




